أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

395

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : « يُجادِلُونَكَ » جواب القسم ، وهذا قول أبي عبيدة . وقد ردّ الناس عليه قاطبة ، وقالوا : « كان ضعيفا في النحو » . ومتى ثبت كون الكاف حرف قسم ، بمعنى الواو ؟ وأيضا فإنّ « يُجادِلُونَكَ » لا يصح كونه جوابا ، لأنه على مذهب البصريين متى كان مضارعا مثبتا وجب فيه شيئان ، اللام ، وإحدى النونين ، نحو : « ليسجننّ وليكونا » ، وعند الكوفيين « إمّا اللام ، وإمّا إحدى النونين » ، و « يُجادِلُونَكَ » عار عنهما . الحادي عشر : أن الكاف بمعنى « على » ، و « ما » بمعنى « الذي » ، والتقدير : امض على الذي أخرجك ، وهو ضعيف ، لأنه لم يثبت كون الكاف بمعنى « على » البتة إلّا في موضع يحتمل النزاع ، كقوله : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ « 1 » ، أي : على هدايته إيّاكم . الثاني عشر : أن الكاف في محل رفع ، والتقدير : كما أخرجك ربك فاتقوا اللّه ، كأنه ابتداء وخبر . قال ابن عطية : « وهذا المعنى وضعه هذا المفسر ، وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر » . الثالث عشر : أنها في موضع رفع أيضا ، والتقدير : لهم درجات عند ربّهم ومغفرة وزرق كريم ، هذا وعد حقّ ، كما أخرجك ، وهذا فيه حذف مبتدأ وخبر ، ولو صرح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن . الرابع عشر : أنها في موضع رفع أيضا ، والتقدير : « وأصلحوا ذات بينكم ، ذلكم خير لكم ، كما أخرجك » ، فالكاف في الحقيقة نعت لخبر مبتدأ محذوف ، وهو ضعيف ، لطول الفصل بين قوله : « وَأَصْلِحُوا » ، وبين قوله : « كَما أَخْرَجَكَ » . الخامس عشر : أنها في محل رفع أيضا على خبر ابتداء مضمر ، والمعنى أنه شبه كراهية أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لخروجه من المدينة ، حين تحققوا خروج قريش ، للدفع عن أبي سفيان وحفظ عيره ، بكراهيتهم لنزع الغنائم من أيديهم ، وجعلها للّه ورسوله ، يحكم فيها ما شاء . واختار الزمخشريّ هذا الوجه وحسّنه ، فقال : « يرتفع محل الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف ، تقديره : هذه الحال كحال إخراجك ، يعني أنّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة ، مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب » . وهذا الذي حسّنه الزمخشري هو قول الفراء ، وقد شرحه ابن عطية بنحو ما تقدم من الألفاظ ، فإنّ الفراء قال : « هذه الكاف شبّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال » . السادس عشر : أنها صفة لخبر مبتدأ أيضا ، وقد حذف ذلك المبتدأ وخبره ، والتقدير : قسمتك الغنائم حقّ ، كما كان إخراجك حقّا . السابع عشر : أن التشبيه وقع بين إخراجين ، أي : إخراج ربّك إيّاك من بيتك ، وهو مكة ، وأنت كاره لخروجك ، وكان عاقبة ذلك الإخراج النصر والظّفر ، كإخراجه إيّاك من المدينة وبعض المؤمنين كاره فإنه يكون عقيب ذلك الخروج الظّفر والنصر والخير ، كما كانت ، عقيب ذلك الخروج الأول . الثامن عشر : أن تتعلق الكاف بقوله : « فاضربوا » ، وبسط هذا على ما قاله صاحب هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز ، كقول القائل لعبده : كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك ، وسألت مددا فأمددتك ،

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 198 ) .